فتوحات" الزُّرْنَجِيَّة في الجزائر العثمانية"

فتوحات" الزُّرْنَجِيَّة في الجزائر العثمانية"
Târık İLERİ tarafından yazıldı.   
Pazartesi, 18 Ocak 2016 21:13

"...خلال هذه الفترة العثمانية من تاريخ الجزائر، انطلقت الزرنة، في الغرب كما في الأقاليم العثمانية وفي الجزائر، من الثكنات، أو القَشْلاَتْ كما كانت تُسمى آنذاك. وكانت قشلات العاصمة الجزائرية تتوزع على وسطِ المدينة والمرْسَى بشكل خاص في حَوْمة "بَابْ دْزِيرَة"؛ أيْ باب الجزيرة، حسب لهجة مدينة الجزائر. عِلمًا أننا نقول إلى اليوم "دْزَايَرْ" بدلا من الجزائر. ويبدو أن هذه العبارة تُمثِّلُ آخرَ اجتهاد في إيجاز كلمة الجزائر على الطريقة المحلية. فالبداية كانت "الجزائر" ثم تطورت على ما يبدو إلى "جْزَايَرْ" بالتخلي عن الهمزة التي لا يكن لها الجزائريون والمغاربة بشكل عام الود الكبير، متأثرين في ذلك بعادات النطق واللهجات الأندلسية، قبل أن يتم إحلال حرف الدال محل حرف الجيم لنصل إلى الصيغة الحالية "دْزَايَرْ".

وامتدت تقاليد الزرنة جغرافيا إلى مختلف الهياكل والمستويات الاجتماعية والثقافية في البلاد، واستقرت حتى في القرى والأرياف ووجدت لها مكانا داخل الزوايا وحضرات الطرق الصوفية منذ القرن 18م أثناء العهد العثماني. 
وإذا كانت الزرنة وطقوسها في الجزائر في تراجعٍٍ اليوم وانحسارٍ إلى حدود ما يُصطلح عليه بـ: "الموسيقى التقليدية" منذ نحو نصف قرن، فقد كان لها شأن عظيم في كل الحواضر، وحتى في أغلب القرى، الجزائرية؛ من مدينة الجزائر العاصمة إلى قسنطينة وتلمسان مرورا بجبال جرجرة وجبال الأوراس والصحراء مع احتفاظ كل منطقة بلمساتها المحلية في العزف والأداء...

 

alt

 

نجوم العزف على الغَيْطَة الجزائرية

اشتهر من الزرناجيين الكبار في مدينة الجزائر في القرن 19م سيد علي الزرناجي2 والحاج وَالِي وبُوشَكْشَاكْ وكُوتْشُوكْ3 والعَيْنْ الكَحْلَة وسَعْدَانِي، الذي توفي في العام 1933م في مدينة شيكاغو في الولايات المتحدة الأمريكية. ولم يعد يُعرف عنهم اليوم أكثر من أسمائهم وفُتاتٍ من الأخبار النادرة عن سيرتهم ومآثرهم. 
كما اشتهر في مدينة الجزائر الفنان الزرناجي البارز خْلِيفِي الذي كان يحظى بشعبية كبيرة في حيِّ البحرية، أسفل ساحة الشهداء الحالية، إذ لمع بشكل خاص خلال الأعراس والاحتفال بالأعياد الدينية. 
وبعد وفاته، كان من بين الذين خلفوه على عرش الزرنة في المدينة، إضافة إلى الحاج أحمد منصوري الملقب بـ: "تِيتِيشْ"، الفنان الزنجي الجزائري الكبير إدريس (1878م – 1953م) ابن مدينة الجزائر ذو الجذور الضاربة في أعماق الواحات في جنوب البلاد...

 

أدّتْ شعبية الزُّرْنَة، أو "الزُّكْرَة" كما يقول أشقاؤنا في تونس، وتأثيرُها في الثقافة الجزائرية إلى اختراقها لنظام الغناء الأندلسي الذي كان سائدا في الجزائر خلال العهد العثماني والتفاعل معه والاستعارة منه من حيث الألحان والإيقاعات والمقامات.

وحدث الاحتكاك والانصهار بالعفوية ذاتها التي كانت تتلاقح بها الموسيقات في الأندلس والمغرب الإسلامي. فتخلت الزرنة بالتالي عن بزتها العسكرية العثمانية – الجزائرية شيئا فشيئا لتستبدلها بالبَدْعِيَّة و"الشَّاشِيَّة اسْطَنْبُولْ" و"سَرْوَالْ العْرَبْ" التقليدي الشهير و"البَابُوجَة" الحضرية وتتحولَ إلى إحدى البهارات الجديدة التي زادت في تنوع وثراء الموسيقى العربية الأندلسية.

الموسيقار الفرنسي جُولْ رُوَانِي يؤكد بأن معزوفة "التْشَمْبَارْ سِيكَه"، التي لم تكن موجودة في النوبة الأندلسية قبل القرن 16م لأنها من المؤثرات الموسيقية التركية في الغناء الأندلسي لمدينة الجزائر استنادا إلى شهادات المختصين الجزائريين في مطلع القرن 20م، كانت تُعزف من طرف جوق الغَيْطة والطبل الرسمي عندما يخرج الداي إلى الصلاة في الجامع أيام الأعياد الدينية. والجامع، هنا، هو "جامع السيدة" الحنفي قبل أن ينتقل مقر السلطة المركزية من قصر الجنينة في ساحة الشهداء الحالية إلى "دار السُّلطان" في أعالي القصبة على يد الداي علي خوجة في خريف 1817م.

 

alt

 

الموسيقى الأندلسية تفتح أحضانها لـ: "التْشَمْبَارْ" العثماني

في كتابه المعروف حول الموسيقى العربية (La musique arabe)، قال جول رواني عن جذور ظاهرة المعزوفات المعروفة بـ: " التْشَمْبَارْ " في مجال الغناء الأندلسي في صيغته الجزائرية ما يلي: "في عدد من الأوساط الأهلية تُنسب مثل هذه المقطوعات (تشمبار) إلى أصول تركية. فمن المحتمل أن يكون الدايات، الذين يمثلون في الجزائر سلطان القسطنطينية، قد جلبوا معهم موسيقييهم الذين قد يكونوا بدورهم أدخلوا التشمبارات. ويستشهد الموسيقيون للتدليل على هذه الرواية بكون التشمبار سيكة كان يُعزف عند مراسم السَّيْر الرَّسمي للدايات، أي الذي تعزفه الغايطات أمام الموكب عندما يذهب الحاكم إلى المسجد في أيام الأعياد الإسلامية". وأضاف جول رواني قائلا: "أحد هذه المقطوعات، تشمبار رمل الماية، يحمل في مدينة الجزائر اسم نوبة السلطان، ويوصف بأنه موسيقى أعجمية، أي أجنبية". ليستخلص في نهاية المطاف بأن "ذلك يعني أن هذه المقطوعات لم تكن لِتوجد في سِجِّلِ الأغاني المغاربية إلا منذ القرن 16". وهذا بالرغم من أن هذا المصطلح "تشمبار" وجد في الاصطلاح الموسيقي الشرقي عند الرحَّالة المقريزي قبل مجيء الأتراك، مِمَّا يوحي بأنه فارسي وأخذه الأتراك عن الفُرْس الذين أدخلوه إلى المنطقة المغاربية. 
ويبقى هذا النوع الجديد من المعزوفات الموسيقية الحضرية، حسب جول رواني، أقل حسنا ورقيا في نظر أهل الفن الأندلسي من نوبة غرناطة في الجزائر.

أما الغناء الحضري الأندلسي الجزائري الأكثر اختراقا من طرف "الغَيْطَة" وبشكل عميق فهو غناء المالوف في قسنطينة ومختلف الفروع الموسيقية المنبثقة عنه، بما فيها المحجوز والحضرات الصوفية للطريقة الحنصالية وغيرها والتي تحمل جميعها مؤثرات تركية أكثر وضوحا من غيرها من الموسيقات عبْر البلاد. مؤثراتٌ واضحة المعالم حتى في أسلوب العزف على آلة الكمان آلتو القريب جدا من نظيره في بعض الأنواع الموسيقية التركية واليونانية التقليدية.

ولا تزال بعض الأرشيفات الصوتية التي تعود إلى العهد الاستعماري تحتفظ بتسجيلات للفِرق الموسيقية لكتائب "الصّْبَايْحِيَّة" وهي تَعزِف "نوبة السلطان" في استعراضاتها العسكرية داخل الثكنات أو في شوارع المدن الجزائرية على النحو ذاته الذي كان سائدا خلال العهد العثماني...

 

alt

 

وإذا كانت الزرنة في مدينة الجزائر قد حافظت على استقلاليتها بجوقها الخاص ولم تنخرط مباشرة في الجوق الأندلسي، رغم استلهامها منه أغلب معزوفاتها، فإنها في قسنطينة تجاوزت هذه الحدود واقتحمت بقوة جوقَ المالوف لتتحولَ إلى عنصر كامل العضوية فيه، لاسيما في بعض الأنواع المنبثقة عنه. ولعل هذا النموذج من التأثير العثماني في الموسيقى الجزائرية والعربية بشكل عام هو الذي دفع الباحث التركي ميتين آند إلى القول في دراسته "Music, song and the performing arts traditions: past and present develpments"، التي نشرها في كتاب حول "مختلف أوجه الثقافة الإسلامية" تحت إشراف إكمال الدين إحسان أوغلو، إن "الأتراك هيمنوا على الموسيقى في بداية القرن 10 هـ/16م وجلبوا موسيقاهم إلى مدينة الجزائر وقسنطينة وطرابلس وتونس وإلى حواضر متوسطية إفريقية أخرى. وسرعان ما برز تأثير الموسيقى التركية في نظيراتها المغاربية وفي بلدان أخرى فتَعَثْمَنَتْ الموسيقى في العديد من البلدان بشكل عميق..." 3.

لم يكن فن الزرنة حكرا على مدن دون غيرها بل كان شائعا في الحواضر كما في البوادي مع احتفاظ كل جهة بخصوصياتها. فالزرنة في مدينة الجزائر تختلف في بعض التفاصيل عن نظيرتها في جرجرة أو في قسنطينة وحتى في واحات الجنوب. وإذا جرت العادة أن نتصور هذا الفن محصورا بين أسوار مدينة الجزائر أكثر من غيره من مناطق البلاد، وإذا أصبحت كلمة "زرنة" توحي إلى الأذهان باسم الزرناجي الكبير بوعلام تيتيش، فذلك يعود إلى كون مدينة الجزائر عاصمة البلاد والأقرب إلى وسائل الإعلام الثقيلة لا أكثر. وهذا ما أدى إلى التغطية عن نشاطات الزرناجيين الكبار الذين عرفتهم مناطق أخرى من البلاد كما هو الشأن في جبال جرجرة ومدينة مليانة وفي تلمسان، التي اشتهر فيها الشيخ بودغان والسنوسي البريكسي والمعلم تْشْوَّارْ، وفي غيرها من مناطق البلاد...".